انذار لإدارة الشرع من "قوى صديقة": تحليل شامل لمستقبل السلطة في سوريا

 

يقدم هذا التسجيل تحليلاً  لرؤية رئيس التحرير نضال معلوف حول المرحلة السياسية الحالية في سوريا، مع التركيز على مستقبل سلطة "أحمد الشرع" (الجولاني) ومدى قدرة الحركات الإسلامية على التحول من مفهوم "الجماعة" إلى مفهوم "الدولة". يستند التحليل إلى رصد دقيق للتحولات الدولية والمحلية، والمؤشرات الميدانية لانهيار الخدمات، والمواقف الأخيرة الصادرة عن شخصيات كانت محسوبة على البيئة السياسية للسلطة الحالية.

الحتمية السياسية: لماذا لا يمكن لـ "الجماعة" أن تصبح "دولة"؟

يؤكد نضال معلوف في تحليله أن سقوط السلطة الحالية في سوريا هو أمر "حتمي"، ليس بناءً على موقف عاطفي، بل استناداً إلى أدبيات العلوم السياسية وتجارب التاريخ. يرى معلوف أن هناك استحالة بنيوية في الاندماج بين مفهومين نقيضين:

مفهوم الجماعة: يقوم على فكرة العصابة أو المافيا، حيث تكون المصلحة العليا هي تقوية الجماعة وتمكين نفوذها، حتى لو كان ذلك على حساب تحطيم المجتمع وتدمير القوانين. المعيار هنا ليس الكفاءة أو المصلحة العامة، بل الولاء وتحقيق مكاسب للجماعة. مفهوم الدولة: يقوم على المواطنة، سيادة القانون، المؤسسات، وتوسيع دائرة المشاركة والاستفادة من الخبرات الوطنية المتنوعة.

ويشير معلوف إلى أنه عبر التاريخ، لم تنجح أي حركة إسلامية (سواء كانت سنية أو حتى حركات دينية في الهند أو غيرها) في بناء دولة رفاه وقانون. ويطرح تحدياً مفاده غياب أي نموذج ناجح في العالم (من أصل مئات ملايين المسلمين و286 دولة) استطاعت فيه "جماعة إسلامية" الوصول للحكم وبناء دولة مواطنة حقيقية.

"المستوى المتقدم" من التجربة الدولية: الدعم كأداة استنزاف

يوضح التحليل أن ما نراه اليوم من دعم دولي (أمريكي، تركي، فرنسي، وغيره) لأحمد الشرع يمثل "ليفل" (مستوى) جديداً ومتطوراً في السياسة الدولية، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:

وجه المقارنة

سياسات الاحتواء القديمة

"الليفل الجديد" في الحالة السورية

طبيعة الدعم

سري، استخباراتي، خجول.

علني، رسمي، "على عينك يا تاجر".

المكانة الدولية

نبذ الشخصيات المصنفة إرهابية.

غسل الشخصية وتمكينها من منابر دولية (الأمم المتحدة).

الهدف المعلن

الضغط لتعديل السلوك.

الإيهام بالاعتراف الكامل والدعم الرئاسي (زيارات رسمية).

الهدف الضمني

الاحتواء التدريجي.

الاستنزاف الأخير وإثبات فشل النموذج بنيوياً.

يرى نضال معلوف أن المجتمع الدولي، الذي عجز عن القضاء على هذه الحركات عسكرياً في أماكن أخرى، قرر "تعلية الدوس" في سوريا. فبدلاً من دعم إدارة مدنية وطنية، تم تمكين "شبكة الشرع الإدلبية الجهادية" من مفاصل السلطة لاختبارها في "ظروف مثالية" للدعم. ويخلص معلوف إلى أن فشل هذه التجربة اليوم، رغم كل هذا الثقل الدولي، سيعني نهاية فكرة "الإسلام السياسي الحاكم" في المنطقة للأبد.

 

 

مؤشرات التصدع الداخلي: "نيران صديقة" وإنذارات متأخرة

رصد معلوف تحولاً لافتاً في الخطاب الصادر عن شخصيات كانت تدافع بقوة عن "سوريا الجديدة" تحت إدارة الشرع. هذه الشخصيات بدأت في إطلاق "أجراس إنذار" تعكس عمق الأزمة:

فرح أتاسي: المستشارة في العلاقات الدبلوماسية والخبيرة في الشؤون الخارجية، أطلقت تحذيراً وصفت فيه الوضع الداخلي بـ "الغليان". وأشارت إلى أن السلطة تعاني من "اللامبالاة" تجاه المخاطر الداخلية، مع تركيز المسؤولين على صراعات العقيدة، المناطقية، والاستئثار بكافة السلطات (التنفيذية، التشريعية، القضائية، وحتى الاقتصادية والاجتماعية). باسل بربندي: الدبلوماسي السابق، أشار إلى وجود "قراءة خاطئة" من قبل سلطة الأمر الواقع (المنظومة الثانية) للرسائل الدولية (المنظومة الأولى)، حيث تعتبر السلطة أن الدعم الدولي غطاء للقيام بما تريد لتحقيق هدفها الوحيد وهو "البقاء في السلطة" وإنشاء دولة داخل دولة. برهان غليون: انتقد تصرف النظام الانتقالي وكأنه "سلطة شرعية دائمة"، متجاهلاً المهام السياسية الأساسية للمرحلة الانتقالية مثل قانون الأحزاب والحريات النقابية.

هذه الشهادات، وفقاً لمعلوف، لا تصدر عن "أعداء" بل عن أشخاص من صلب البيئة السياسية للسلطة، مما يؤكد أن المسار الحالي يتجه نحو "الحائط المسدود".

الانهيار الخدمي والمؤسساتي: سوريا تغرق

يسلط نضال معلوف الضوء على الحالة المزرية التي وصلت إليها الخدمات الأساسية كدليل ميداني على فشل "الجماعة" في إدارة "الدولة":

1.      أزمة النفايات: يصف معلوف غرق المدن السورية في القمامة بأنه "نذير شؤم" قد يسقط السلطة، حيث تعجز الإدارة عن تأمين أبسط قواعد النظافة العامة.

2.      قطاع الصحة (المسالخ البشرية): يكشف التحليل عن سياسة غير رسمية في المشافي العامة تقتضي تشغيل المتدربين والطلاب فقط، بينما يتم تحويل الأطباء المختصين للمشافي الخاصة لتحقيق أرباح. ويستشهد معلوف بشهادات ميدانية تصف المشافي الحكومية بـ "المسالخ البشرية" التي تفتقر لأدنى مقومات النظافة والخبرة.

3.      الاحتكار الاقتصادي: بدلاً من تطوير قطاع النقل (مثل السرافيس في حلب)، يتم إلغاء أرزاق الناس وتسليم القطاعات لمستثمرين تابعين للجماعة بعقود مجحفة، مما يؤدي لسوء الخدمة وارتفاع التكاليف.

4.      تعدد المناصب: يظهر الفشل المؤسساتي في تعيين شخص واحد (مثل أنس خطاب أو غيره) في منصبين أو ثلاثة (وزير داخلية، مدير أمن قومي، سفير)، مما يؤدي لإرهاق الكوادر وفراغ أمني وخدمي في مفاصل الدولة

 

اللجان التأسيسية" كبديل عن الفراغ

.

أمام هذا الانسداد، يقترح نضال معلوف نموذج "حي جوبر" في دمشق كبداية لخلق ميكانزم دفاعي للمجتمع السوري. وتتلخص الفكرة في:

تشكيل لجان تأسيسية: يقوم أهالي كل منطقة بانتخاب ممثلين عنهم (لجان تاسيسية تحضيرية). التمثيل لا البديل: لا تهدف هذه اللجان لأن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة (البرلمان أو البلديات)، بل لتكون حلقة وصل تمنع "تغول السلطة" وتدافع عن مصالح السكان في ظل غياب المؤسسات الحقيقية.

سد الثغرات: يمكن لهذه اللجان مساعدة السلطة الانتقالية في سد العجز الأمني والخدمي (مثل تنظيم النظافة أو الأمن المحلي بالتنسيق مع الجهات المعنية) بدلاً من ترك الأمور للعشوائية أو لسيطرة "شيوخ الجماعة" الذين يبتلعون المقدرات

22.07.2026 11:26