سقوط "الاستثناء الترامبي" وإخفاق إدارة الشرع أمام إرادة التغيير الديمقراطي في سوريا

يقدم رئيس التحرير نضال معلوف في هذا العرض التحليلي قراءة مفصلة لمستجدات المشهد السوري في ظل التحولات السياسية الدولية والإقليمية. ويخلص التحليل إلى أن إدارة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) قد وصلت إلى نهاية مرحلة "الاستثناء السياسي" الذي حظيت به خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتواجه اليوم فشلاً ماليًا وسياسيًا وايدولوجيًا مزدوجًا.

تستند القراءة إلى معطيات ميدانية واقتصادية، إضافة إلى استطلاع رأي حديث يُظهر تحولاً حاسمًا لدى الشارع السوري بنسبة 74% لصالح الخيار الديمقراطي والدولة الوطنية، مقابل تراجع النماذج الأيديولوجية المتطرفة إلى الهامش.

1. نهاية "الاستثناء الترامبي" والتحول في السياسة الأمريكية

يوضح نضال معلوف أن وصول أحمد الشرع وهيئته إلى سدة الحكم في سوريا لم يكن مسارًا طبيعيًا، بل كان "استثناءً غير مسبوق" في تاريخ السياسات الخارجية للولايات المتحدة والادارات المتعاقبة:

  • طبيعة الاستثناء: أقدمت إدارة ترامب على التعامل المباشر وتبييض صورة شخص وفصيل مصنفين على قوائم الإارهاب الدولي والأمم المتحدة وبموجب قرارات مجلس الأمن، وذلك لاعتبارات ترتبط بشبكة مصالح خاصة وتفاهمات صفقية.
  • تأثير الانتخابات النصفية: أدّت خسارة الحزب الجمهوري واكتساح الديمقراطيين لمقاعد الكونغرس (مجلسي الشيوخ والنواب) إلى تجريد ترامب من قدرته على اتخاذ قرارات أحادية، وتحويله إلى رئيس "بطة عرجاء" مكبل بالأزمات الداخلية.
  • تداعي شبكات العلاقات العامة: أدى هذا التغير إلى انهيار مشروع "توم براك" (عراب ترامب في المنطقة) ومساعيه لتجميل النظام الحاكم، وضياع مئات ملايين الدولارات التي أُنفقت على شركات العلاقات العامة والإعلام لفرض هذا النموذج.
  • استحالة التكرار: يؤكد معلوف أنه حتى لو عاد الجمهوريون مستقبلاً، فإن المؤسسات الأمريكية والحزب الجمهوري نفسه لن يكرروا هذا النموذج الذي يفتقر إلى التأييد الشعبي والغطاء المؤسسي.

2. الفشل المالي والاضطرار للقروض المشروطة

بعد رهان إدارة الشرع على تدفق مليارات الاستثمارات الخليجية واستقطاب الأموال المباشرة لترسيخ سلطتها المستبدة، اصطدمت بواقع الإفلاس المالي، وأزمات المحروقات والكهرباء والرواتب.

زيارة السعودية وتحول موقف الخليج والأردن:

  • مارست دول المنطقة (وفي مقدمتها الأردن والسعودية) ضغوطًا سياسية وأمنية مكثفة على الشرع، من خلال التلويح بملف الإرهاب والشبكات العابرة للحدود عقب خرق أمني واستهدافات أعلنت عنها الأردن مؤخرًا.
  • الانكسار السياسي: اضطر الشرع للتراجع عن مبدئه المعلن برفض القروض، والتوقيع صاغرًا على قرض ميسر ومشروط مع الصندوق السعودي للتنمية، وهو قرض مؤسساتي يخضع لرقابة صارمة وآلية صرف مرحلية مرتبطة بالإنجاز.

 

 

تفاصيل حزمة القروض والتجهيزات (وفق وكالة الأنباء السعودية):

القطاع / المشروع

الميزانية / التفاصيل

الفئة المستفيدة / الهدف

محطة حلب الحرارية

إعادة تأهيل وحدات التوليد

5 ملايين نسمة (دعم استقرار الكهرباء)

منظومة مياه الشرب

30 مليون دولار

توريد تركيب 300 عداد مياه ذكي

مراكز الدفاع المدني

105 ملايين دولار

إنشاء وتجهيز 25 مركزًا لخدمة 7 ملايين نسمة

الوحدات السكنية

60 مليون دولار

إعادة تأهيل 10,000 وحدة سكنية

القطاع الصحي

100 مليون دولار

دعم تعافي المستشفيات والخدمات الصحية

ملاحظة تحليليّة: يؤكد معلوف أن الاتفاقيات الموقعة اقتصرت على "مذكرات تفاهم" باستثناء اتفاقية التعاون الدفاعي، وأن أموال القرض لن تدخل خزينة الشرع كـ "أموال كاش" يتصرف بها الفصيل، بل ستدار عبر آليات مؤسسية رقابية لمنع الفساد، مما يترك الإدارة مفلسة وعاجزة عن حل الأزمات المستعجلة.

3. استمرار العقوبات وفشل جلب الاستثمارات

خلافًا للترويج الإعلامي والاحتفالات المتكررة برفع العقوبات:

  • التصنيف الأمريكي (Category A-1): ما تزال سوريا تندرج قانونيًا ضمن قائمة الفئة (A-1) إلى جانب إيران وكوريا الشمالية، مما يلزم أي شركة أمريكية أو دولية بالحصول على تراخيص صادرات معقدة تستغرق أشهرًا طويلة.
  • المقارنة مع السودان: تم شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد شهر واحد من القرار، بينما لا تزال القيود الشديدة فرضًا على سوريا رغم مضي أكثر من عامين على تغييرات واشنطن الإجرائية.

4. إرادة الشعب السوري: حقائق الاستبيان العلمي (2026)

يرد نضال معلوف على الشعارات الأيديولوجية التي ترفعها السلطة الحاكمة مثل "من يحرر يقرر" أو ادعاءات فرض "الحكم الديني الشمولي"، بالاستناد إلى استطلاع رأي حديث أجراه المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة (شمل عينة علمية من 3,600 شخص في مختلف المناطق السورية):

اتجاهات الراي العام حول نظام الحكم الأفضل لسوريا (2026)

الخيار الديمقراطي والتعددية: [███████████████████████████████████] 74%

نظام محكوم بالشريعة/الإمارة: [███] 9%

  • 74% من السوريين يؤيدون قيام نظام ديمقراطي يتضمن التعددية السياسية ومحاسبة المسؤولين (ارتفاعًا من 61% في العام الماضي).
  • 9% فقط يؤيدون قيام نظام محكوم بالشريعة الإسلامية أو شكل الإمارة الدينية.
  • 80% من المواطنين يؤيدون تشكيل تيار وطني سوري جامع عابر للطوائف والأيديولوجيات.
  • 75% من السوريين يرفضون الانتساب إلى أي حزب سياسي قد تنشئه السلطة الحالية برئاسة الشرع.

ويشدد معلوف على أن النماذج الناجحة في العالم الإسلامي (مثل اندونيسيا التي تضم 300 مليون مسلم، وتركيا) تحكم عبر دساتير علمانية وديمقراطية، وأن تيار الإمارة الدينية لا يمثل سوى أقلية سياسية تحاول فرض رؤيتها بقوة السلاح والتشبيح الإلكتروني.

5. استشراء الفساد وغياب السيادة الكلية

يقدم التحليل دلائل إضافية على انعدام أهلية الإدارة الحالية لإدارة الدولة:

  • استشراء الفساد المؤسسي: استشهد معلوف بمقطع فيديو للصحفي الموالي "محمد الأصيل" يوثق فيه تعرض منزله للسرقة والحرق وتورط أجهزة التحقيق والأمن الجنائي التابعة للإدارة في تغطية الجناة وتغيير المحاضر وإخفاء الأدلة (الفلاشات تقارير الخبرة)، مما يعكس تحول الجهاز الأمني إلى نمط العشيرة والعصابة.
  • غياب الحس الوطني والمسؤولية: بالتزامن مع كارثة السيول والمفقودين شمال وشرق سوريا، وتوافر التضامن الرسمي من دول كالبحرين والكويت، تجاهلت السلطة إعلان الطوارئ أو الحداد، وظهر الشرع يقهقه ويطلق النكات في جولات استعراضية بحارة المناقلية بدمشق القديمة.
  • انهيار السيادة في الجنوب: غياب تام لأي تمثيل سيادي أو أمني للإدارة في محافظات الجنوب (درعا، السويداء، القنيطرة)، حيث تسرح القوات الإسرائيلية وتقصف وتستحدث سيطرة برية وجوية مباشرة تجاوزت مساحتها قطاع غزة، مستغلة الذريعة التي يوفرها وجود "زعيم سابق للجماعات المصنفة إرهابية" على رأس السلطة لشرعنة عدوانها أمام المجتمع الدولي."

الخلاصة والتوصيات

يؤكد نضال معلوف أن معركة الوعي السياسي حُسمت لصالح تيار "دولة القانون والخيارات الوطنية". وما يحتاجه الشارع السوري اليوم هو إعلان فشل تجربة أحمد الشرع، والبدء بمرحلة انتقالية حقيقية تشكل فيها حكومة وطنية مُمثلة لكافة أطياف الشعب السوري، تعمل وفق جدول زمني لا يتجاوز العامين للوصول إلى انتخابات ديمقراطية واستعادة الشرعية الدولية وسيادة البلاد.


المواضيع الأكثر قراءة

SHARE

close