تحول "الجمهورية" إلى "إمارة": مستقبل سوريا والهوية الوطنية

25.04.2026 | 12:34

يقدم هذا التقرير تحليلاً معمقاً للرؤى التي طرحها رئيس التحرير نضال معلوف حول المشهد السوري الراهن، مركزاً على التغييرات الجذرية في بنية الحكم، وتلاشي ملامح "الدولة" لصالح نموذج "الإمارة" أو "الملكية الفردية"، مع تسليط الضوء على المخاطر التي تهدد الهوية الحضارية والتاريخية لسوريا، وتحديداً في معالم دمشق الرمزية مثل جبل قاسيون.

المشهد العام: من مؤسسات الدولة إلى حكم الفرد

يرى نضال معلوف أن قراءة المشهد العام في سوريا اليوم تشير إلى انحراف المسار عن أهداف الثورة والاحتجاجات التي نادت بالحرية والمشاركة السياسية. فبعد مرور عام ونصف على المرحلة الانتقالية، وبدلاً من ظهور معالم الدولة (فصل السلطات، البرلمان، النقابات، والمؤسسات المستقلة)، نلاحظ تركز كل السلطات بيد رجل واحد وعصبة واحدة.

معايير الدولة الغائبة

يوضح معلوف أن الدولة تُعرف بمؤسساتها، والمؤسسة هي "ميكانزم" وهيكلية عمل لا تتأثر بالأشخاص. إلا أن ما يحدث حالياً في "الجمهورية العربية السورية" (كما تسمى رسمياً) هو العكس تماماً:

  • غياب المؤسسات: استبدال الوزارات والمؤسسات الرسمية بـ "هيئات عامة" وشركات تتبع مباشرة لرأس السلطة.
  • تركيز القوة: عدم ظهور أي مراكز قوى موازية (نقابات أو رجالات دولة).
  • غياب الشفافية: تحول المؤسسات الخدمية والمصارف (مثل مصرف التسليف الشعبي) إلى شركات خاصة تفتقر للمحاسبة والشفافية.

بناء "قبيلة الشرع" واستنساخ النموذج الخليجي

يطرح نضال معلوف فرضية مفادها أن أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) يسعى لتأسيس "قبيلة" أو "عصبة" لتكون ركيزة لحكمه، مستلهماً بدايات تشكل دول الخليج العربي.

آليات التحول إلى الملكية

العنصر

الوصف والتحليل

صناعة القبيلة

محاولة خلق "جمهور للسلطة" يأتمر بأمر القائد (جمهور الشرع) كبديل لمواطني الدولة.

الاستحواذ الكلي

وضع اليد على كافة المقدرات الاقتصادية والسياسية وتحويلها لملكيات خاصة تحت مسمى "هيئات".

الفزعات والغزوات

الاعتماد على القوة والسيطرة العسكرية (الغلبة) لتثبيت الحكم بدلاً من الشرعية الانتخابية.

الولاء الأيديولوجي

تحول الانتقاد إلى الجانب الديني/الأخلاقي فقط (مثل انتقاد سماع أغنية) مع الصمت عن التجاوزات السياسية والحقوقية.

 

 

حادثة صالة الفيحاء والمقابلة الإعلامية: دلالات التخبط

توقف معلوف عند ظهور أحمد الشرع في افتتاح صالة الفيحاء الرياضية وما تبعه من انتقادات من شيوخ وأمراء محسوبين عليه بسبب "أغنية خادشة". ويرى معلوف أن رد فعل الشرع وتبريره اللاحق كشف عن طبيعة الحكم الجديد:

  1. هشاشة الهيكل: الانتقاد الوحيد الذي سمح به "جماعته" كان أخلاقياً، بينما تم تجاهل المجازر والاستيلاء على الأملاك.
  2. غياب البروتوكول: المقابلة التي أجراها جميل الحسن مع الشرع في القصر الجمهوري لم تكن تشبه مقابلات رؤساء الدول، بل بدت كدردشة عفوية تفتقر للمؤسساتية الإعلامية.
  3. الخطاب التبريري: سعى الشرع لتبريد غضب قاعدته الدينية بدلاً من تقديم إجابات حول قضايا وطنية كبرى كالكهرباء، الاقتصاد، أو مصير المناطق الخارجة عن سيطرته.

قضية أمجد يوسف والعدالة الانتقالية

بارك معلوف للشعب السوري إلقاء القبض على المجرم أمجد يوسف، لكنه وضع هذا الحدث في سياقه الصحيح:

  • ليست بديلاً: القبض على أفراد لا يغني عن "العدالة الانتقالية" الشاملة التي تكشف سلسلة اتخاذ القرار وتصل للمجرمين الحقيقيين (مثل فادي صقر وبشار الأسد).
  • تخوف من الاستثمار السياسي: يخشى معلوف أن تُستخدم هذه الخطوات كـ "رصيد" للسلطة لتهدئة الشارع كل فترة، دون بناء إطار مؤسساتي للمحاسبة.

جبل قاسيون: معركة الهوية ضد "طمس التاريخ"

خصص نضال معلوف حيزاً كبيراً من تحليله لمشروع استثمار جبل قاسيون، معتبراً إياه "جريمة ثقافية" تهدف لتحويل سوريا إلى "رمال" بلا ذاكرة لتمكين حكم الإمارة.

القيمة الرمزية والتاريخية لقاسيون

يؤكد معلوف، مستنداً إلى مخطوطات تاريخية (مثل كتاب "الجوهر المكنون" للماوردي)، أن قاسيون يحمل قدسية فريدة لا تتوفر لأي جبل في العالم:

  • بداية الخلق: مرتبط بآدم وحواء، وموقع أول جريمة في التاريخ (مغاره الدم - قابيل وهابيل).
  • مأوى الأنبياء: شهد وجود إبراهيم الخليل، وموسى، وعيسى، ونوح، ولوط، ومريم العذراء (في منطقة الربوة).
  • كهف جبريل: موقع ظهور الروح القدس لآدم.
  • العمق المسيحي: ارتباط دمشق وقاسيون ببدء انتشار المسيحية (قصة بولس الرسول وهربه من السور).

نقد المشروع الاستثماري

ينتقد معلوف تحويل الجبل إلى كتل أسمنتية وفنادق زجاجية تشبه نماذج دبي وقطر، معتبراً ذلك:

  1. طمس للميزة التنافسية: سوريا لا تملك الرمال والنفط، بل تملك التاريخ والحضارة. تحويل قاسيون لمنتج سياحي "عادي" يقتل قيمته العالمية كـ "محج" للديانات الثلاث.
  2. تجاوز الصلاحيات: لا يحق لسلطة انتقالية (تسيير أعمال) اتخاذ قرارات سيادية تمس هوية العاصمة وتاريخها.
  3. تشويه بصري وحضاري: بناء فنادق قبيحة لا تنتمي لروح دمشق بدلاً من إحياء مسارات الحج التاريخية (مثل الحج الشامي) والرموز الدينيةالخلاصة والتحذير من المستقبل

يختتم نضال معلوف رؤيته بالتحذير من أن مشروع "الإمارة" الذي يُبنى على أنقاض الدولة السورية يهدف إلى جعل الشعب "منهكاً" يقبل بأي بديل عن الفوضى. ويؤكد أن:

  • المشروع الوطني: لا يمكن بناء سوريا عبر استنساخ نماذج لا تشبه جغرافيتها وتاريخها.
  • دور الوعي: الرهان يبقى على "النخبة الواعية" (الـ 10% كما وصفهم) لمنع تحويل سوريا إلى مساحة بيضاء بلا تاريخ.
  • المسؤولية الجماعية: حماية جبل قاسيون ورموز دمشق هي دفاع عن "الكينونة السورية" في وجه محاولات الطمس الممنهج التي بدأت في عهد الأسد وتستمر الآن بأسلوب مختلف.

إن ما نحتاجه، حسب معلوف، هو "دولة قانون واستقرار مستدام" تحترم الإنسان وتاريخه، وليس "حكماً دكتاتورياً" جديداً يبدل وجوه المجرمين ويبقى على جوهر الاستبداد وطمس الهوية.



Contact
| إرسال مساهمتك | نموذج الاتصال
[email protected] | © 2025 syria.news All Rights Reserved