فيكتوريا وابدول .. ببساطة كيف تصبح صديقا لاله صغير؟

11.08.2018 | 16:34

مراجعة : عبد الكريم انيس

في فيلم "Victoria and Abdul" ستلاحظ بكل تأكيد الفوارق بين العوالم، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، حيث الحضارة والتنظيم، بالتوازي مع المناطق التي تخضع لها، من مثيل الهند، والتي تضج بشتى صنوف الفوضى والعشوائية،

هكذا يُراد لك أن تدقق وبإمعان بين العالمين، لفرط البعد بين الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم. تستطيع أن تأخذ من هذا الفيلم موقفين، أحدهما أنه يتحدث عن حالة إنسانية بالغة في الصفاء، في توافر علاقة خاصة بين طرفين نقيضين، ومن عالمين مختلفين، يمثل أحدهما الطرف المحتل، والآخر الطرف الذي يتم احتلاله، أولهما رأس الدولة ورمزها، والثاني شخص بسيط في منظومة فقر واستعباد طاحنة، وهذه الحالة حالة استثنائية تقول بإمكانية اجتماع المتناقضات التي قد تؤدي لنتائج محمودة.

والموقف الثاني الذي يجد الفيلم مجرد فيلم استعراضي آخر لإيجابية استعمار الأبيض وادعاءات رحمته واتساع بعد نظره وأفق تفكيره وقبوله بالآخر المختلف عنه بدعوى الرقي والتحضر، وهكذا بإمكانك أن تسوّغ في لا وعيك أن الاستعمار يجلب التحضر لأولئك الذين هم بعيدون عنه، والذين يحتاجون من ينتشلهم من فقرهم وتخلفهم ويُغفر لهم في سبيل ذلك كل ما فعلوه من اجرام ونهب منظم للثروات واستعباد المواطنين الأصليين.

زحمة التفاصيل الصغيرة

دخل كاتب النص الذكي من علةٍ من المفترض أنها تأخذ انطباعاً لدى العامة أن الأثرياء والأقوياء وأهل السلطات ليس لديهم مشاعر بالحاجة وتغلب عليهم مشاعر الاستغناء عن الآخرين، فكيف سيخطر على بال أحد أنه وفي قمة الهرم الذي تُستعرض أمامه كل رجالات العالم المهمين، من الممكن أن يلتفت هذا الرأس ممثلاً هنا بالملكة فيكتوريا لشخص غير ذي بال، وغير ذي شأن، بل ومن جنسية مختلفة، ومعتقد آخر، فيصبح مثار اهتمامه، بل ومستشاره ومعلمه الخاص! أحد الأجوبة على هذا الحدث الاستثنائي أنه في زحمة الاهتمام بالتفاصيل والأبهة ومظاهر العظمة، يصاب المرء باللامبالاة وبالسأم والضجر، وفي هذا الظرف الخاص جداً يلتفت المرء للتفاصيل الأخرى التي لم يكن يلق لها بالاً. وهذا ما حدث في ثنايا الفيلم.

كسر الجليد

يدخلنا الفيلم في عالم الطبقية، العالم الذي ينقسم بين سيد وعبد، بين آمر ومأمور، تحتل التراتبية فيه المعيار الأكبر في تصنيف البشر، وهنا نجد أن الفيلم تمكن من اخبارنا بإمكانية كسر رتابة العلاقات المعتادة ضمن العلاقات الاستثنائية، بمحيّا أسمر لفحته الشمس، نقيض لكل العالم الجديد، يقتحم عبد الكريم عالم الشحوبة والثلج البارد، عالم الامبراطورة، يخرج عن كل البروتوكولات، يستطيع هو وحده أن يخبر بحقائق وتفاصيل وقصص، لا يستطيع غيره أن يخبر بها، لذاك فهذا الحاكم الذي يرتفع كثيراً فوق مستوى البشر، ويهابونه كإله صغير، يخشونه، يتداعون لإرضائه، يتضرعون إليه، فأن الأسمر والأدنى ببساطة لا يفعل ذلك ، إنه يحكي لها عن قصة ضريح تاج محل، عن الوفاء والإخلاص، الذي تتوق اليه، وبعد مرحلة كسر الجليد تقر الملكة أنها مجرد سجين للتفاصيل والأبّهة والمظاهر والبروتوكولات والصراعات، ولا تتمكن أن تكون هي نفسها، فيكتوريا، إنها رهينة بكل عظمة اسمها للسلطة وتجاذباتها، حتى في علاقتها مع أبناءها، الذين ينتظرون رحيلها.

عالم جديد

يبدو مشهد حديث عبد الكريم عن تفاصيل شوارع الهند الفقيرة المزدحمة، المليئة بروائح التوابل وروائح البشر العاديين ونكهات أطعمتهم، بتضاد تام مع ما رصدته الكاميرا من تنظيم وتشذيب ونظافة بالغة حيث تمشي الملكة، تستمع بحرص بالغ لكل ما يقوله عبد الكريم عن عالمه الذي يتم حكمه باسمها، وهي لا تعرف عنه الكثير الا على ألسنة رجال الساسة الذين يعملون لديها، إنه لا يحدثها حول الفلسفة والماورائيات إنه يتحدث لها حول تفاصيل قد تكون تافهة، ولكنها جديدة تماماً على شخص يتحرك وفق خطط مسبقة، ترقبه الأعين في كل خطوة يخطوها، إنه مفتقد تماماً لخصوصيته، لا يعرف معنى عذرية الحرية من القيود إلا نادراً.

محاسن لفيكتوريا.

من الحكمة بين الحين والآخر أن تستعير عيون الآخرين المختلفين تماماً عنك، وتشاهد بهما ما يدور حولك لتستوعب مدى اتساع الزوايا من كل اتجاه ممكن، وبذا تصبح أكثر موضوعية وأكثر فهماً حول كيف تدار الأمور من حولك، وقد نشاهد هنا احتراماً من الملكة لفكرة النقاب، الذي ترتديه زوجة وحماة عبد الكريم، ومع أنه موضوع اشكالي، ورغم غرابة الفكرة ضمن محيطها، إلا أنها أبدت تفهماً واستيعاباً للاختلاف، قلما نشاهده اليوم لتداعيات مختلفة ومختلطة، في الرأي العام الذي بات يخضع لموجات الضخ الإعلامي، لو أخذنا المحمل الحسن للفيلم، لكانت هذه أحد مخرجات الفيلم الإيجابية المطلوبة بأدق تفاصيلها، ولا ريب أن المشهد الذي أدته Judi Dench بإقرارها بعيوبها الشخصية ضمن تاريخها الطويل يعد من أجمل المقاطع التي تم تقديمها بالفيلم بطريقة إبداعية لتمثيل شخصية معقدة كشخصية صاحبة الجلالة التي حكمت ملياراً من البشر تحت سلطة تاجها.

أخطاء وعثرات

هناك خطأ وقع فيه صانعو الفيلم، حول انحناء كامل للخادم المسلم عبد الكريم الذي أتى من الهند، ناحية حذاء الملكة، وتقبيله، وهو فعل لا يقوم به المسلمون لأي إنسان آخر، فالمسلمون الذين يخضعون للخالق الذي يعبدونه ويوحدونه، لا يحنون جباهم لهذا القدر إلا في صلاتهم، ولا يجوز لهم إطلاقاً إظهار هذا الخضوع لأي شخص كان، حتى لو كان خليفتهم ورأس دولتهم. تم تجسيده وتكريسه أيضاً في مشهد المسرحية من بلاد فارس، الذي قُدم للملكة كي يسر خاطرها، ولعله تقليد في الأدبيات الفارسية، لا علاقة له بالإسلام.

أيضاً في الفيلم ولسبب غير واضح تماماً تم الإشارة لعبد الكريم وزميله الذي قدم معه على أنهم هندوس، والهندوسية هي ديانة مختلفة عن الإسلام، ربما كان يراد الإشارة لكون الأشخاص القادمين من الهند على اختلافاتهم الكثيرة في اللغة والديانة، ربما هم جميعهم مجرد أتباع لا يفرق كونهم هندوساً أو سيخاً أو مسلمين أو من أي طائفة أخرى مهما كانت.

يوجد في الفيلم تلميح غير صريح لوجود علاقة غير شرعية بين الملكة وبين مستشارها ومعلمها المسلم، كان يلمز فيه أهل بلاطها وأقاربها، فانقلبوا عليها، لأنهم لم يتفهموا العلاقة الخاصة بين سيدة تعيش في محيط تتلاطم فيه المؤامرات والحسد والضغينة، كيف أعطت ثقتها لشخص قدّم إليها دفء العاطفة ممزوجاً بالنصح الخالص والإرشاد، بدون أن يكون له أية أغراض أخرى! وحسم هذا التوجه الحوار الأخير بين الملكة وعبدول وهي على سرير الموت، فبالرغم من انتمائه لدين الإسلام الذي أصدر شيخه في بلاد تحكمها فتوى بمناهضة احتلالها للهند، لكنها أعطته ظهرها واستندت إليه، حتى لحظاتها الأخيرة.

كتب سيناريو الفيلم Lee Hall عن قصة حقيقية في كتاب لـShrabani Basu وقام بإخراج الفيلم Stephen Frears وأدت شخصية الملكة فكتوريا الممثلة Judi Dench التي تقمصت الشخصية بطريقة متقنة واحترافية لحد كبير، وشاركها البطولة الممثل الهندي Ali Fazal وآخرون أدوا أدوارهم بإجادة واضحة، أكثرها تميزاً كان دور الممثلة  Fenella Woolgar وهي تنقل للملكة مرتجفة رأي أهل بلاطها بأنهم سيخلعونها.

تم إطلاق الفيلم للعموم في مهرجان البندقية بإيطاليا بتاريخ الثالث من أيلول الموافق لعام 2017.

لمشاهدة المقطع الدعائي للفيلم (اضغط هنا)


TAG:

الاسد: ما ينقصنا في المجتمع السوري هو تفعيل الحوار بين مختلف الشرائح وعلى كل المستويات

قال الرئيس بشار الاسد إن أهم ما ينقصنا في المجتمع السوري، ومجتمعاتنا العربية عموما، هو تفعيل الحوار بين مختلف الشرائح وعلى كل المستويات.. الحوار البناء الهادف لإيجاد الحلول وتطبيقها، وليس الحوار من أجل الحوار فقط".