كوكو .. كسر الممنوعات والخروج عن المألوف

15.01.2019 | 13:27

مراجعة :  عبد الكريم انيس 

يعتبر فيلم الانيميشين "Coco"، والذي تم إطلاقه من فرنسا عبر الشاشة الفضية ليشاهده عاشقو سينما الرسوم المتحركة في العالم بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الفائت، فيلماً ملفتاً للانتباه في عالم الأطفال مثيراً لدهشتهم، بل لابد أن يأسر الكبار أيضاً، فالفيلم يؤكد ويحرض على التواصل الاجتماعي الأسري الحقيقي، حتى في عالم الماورائيات، وهو يدعو  لكسر عالم الممنوعات التي لا مبرر واضح لها، والتي تختلف فيها مسوغات المنع من خلفية لأخرى خصوصاً حين يتم ذلك بناء على حدث أليم ناكئ لجراح الذاكرة.

شخصية مختلفة وحبكة غير متوقعة

يلاحظ بشكل واضح كسر قالب الأنموذج الأمريكي المسيطر على الإعلام الترفيهي للطفولة، حيث نجد بطل هذا الفيلم شخصية حنطية اللون كشأن غالبية بني جنسه، وهو طفل مكسيكي يتحدث الإنكليزية بلهجة مكسيكية تطعّم الفيلم بلكنة لطيفة، يحلم كما بقية أقرانه من الأطفال بأن يقتحم عالم النجومية، ووسيلته لذلك ممارسة موهبته بالموسيقى وتنميتها، تلك الموهبة التي ورثها عن جده الأكبر. ولكنها هذه الهواية محرّمة في عائلته لاقترانها بجرح قديم في الذاكرة، سبّب للعائلة ألماً شديداً، لذلك فقد فرضت قيوداً شديدة بخصوص كل ما يمت لها بصلة.

وعلى الرغم من كون مناسبة عيد الأموات فكرة بعيدة عن ثقافتنا الشرقية ولكن بعد أن تشاهد الفيلم لابد أنك وطفلك ستغير من نظرتك لعالم الأجساد التي فارقت الحياة؛ فهي تحمل في طياتها حيرة وتساؤلاً وخوفاً عند الذين لا يمتلكون يقيناً بخصوص ما يجري للجسد ويتصورونه بتصورات بعضها عدمية، وبعضها ينتظر إعادة النشور. والعيد هنا يختلط بثلاثة ثقافات فهو "عيد جميع القديسين" عند الشعب الأميركي، وعيد "الأموات" عند شعوب مختلفة من أميركا الجنوبية، وعيد عند حضارة الأزتك ما قبل الميلاد.  

يعتمد الفيلم على الحبكة والعقدة غير المتوقعة، لذلك ضع في حسابك أن المظاهر شيء، والواقع أو الحقيقة شيء آخر، وأن ما وصل إليك من رواية قد يكون فيه مبالغة أو تحامل، في حين تكون وقائع الماض شيء آخر ينبغي البحث وراءها وعدم تلقفها من مصدر واحد؛ وبهذا تكون شخصاً متحرراً من التلقين بالمواقف، سواء في العداوات بين الأقارب أم في الانشقاقات الاجتماعية التي يختلف بخصوصها أفراد المجتمع حول قضايا معينة في زمنهم، وهذا في ذاته يجعل منك شخصاً حراً لا أسيراً لرواية من رعاك وأحبك وأنبتك في بيته ويريدك أن تكون أسيراً لمعروفه ونسخته من الرواية ولا تخرج عن أوامره أو محاذيره.

قيم عائلية

الاهتمام بالعائلة حتى مرحلة ما بعد الموت يحقق ربطاً عميقاً بين السلف والخلف، مهما امتدت المسافة الزمنية بينهما، وهذا يزرع احتراماً عميقاً بين الأجداد والأحفاد ويقوي صلات القربى بين الناس ويعزز اتصالهم بأرواح بعضهم بعضاً حتى بعد مفارقة أجسادهم للحياة. ويجدر الإشارة إلى أن الجروح العائلية التي تخلفها الظروف وتعلق بالذاكرة، بالإمكان أن توغر في الحاضر حين يتم تجاهل علاجها. أما حذف إنسان من ذاكرتك فلا يعني بالضرورة أن أثره سيغيب عن حياتك أو أنك ستتمكن من تجاوز آثاره عبر وضعه وراء ظهرك.

بحسب ثقافة كاتب الفيلم، فإن لحظات الانتقال من عالم لآخر تحكمها أسس وروتين أيضاً، تتعلق بمدى ذكرى أحبتنا الذين تركناهم وراءنا في الدنيا والذين يجتمعون في يوم الأموات، قد يتلاشون بمجرد أن يتم نسيانهم من قبل من تركوهم وراءهم، الفيلم يقول إن الذكرى الطيبة تترك أثرها عمراً بعد آخر وتتناقلها الأجيال.

يتناول الفيلم مهلكة كبيرة من مهالك يتورد بها كثيرون، ألا وهي الانزلاق باتجاه الشهرة والتضحية بأشياء كثيرة قد لا تقارن أهميتها بطعم زائف للشهرة والنجومية والنجاح، إنها العائلة، وفي السياق ذاته فإن الشهرة قد تدفع كثيراً من الناس لفعل أفعال منافية للأخلاق والقانون في سبيل الحصول عليها والتنعم بحسناتها التي تطفي على صاحبها صفات سلبية كفعل أي شيء من رديء الأفعال كالكذب والغدر والتصنع والحياة رهيناً لتطلعات الجماهير وأذواقهم وأحكامهم التي قد تكون غوغائية أو هوائية مضطربة.

إبداع في الرسم والموسيقى

لا يمكن إغفال إبداع رسامي الجرافيك الذين قدموا تصوراتهم عن عوالم الآخرة بطريقة احترافية مثيرة للدهشة، يغمرها الضوء والبهجة والجمال والورود والزينة والاحتفالات، التي لابد وأنها ستشد الطفل لعوالم متخيلة تقرّب إليه الفكر الغيبي بطريقة تناسب سنين طفولته، وقد كان التصميم المبتكر للهياكل العظمية التي استمرت بامتلاك السمات البشرية من المشاعر والأحاسيس والوجدانيات كتلك التي يمتلكها الإنسان الحي يحمل رسالة تجعل المشاهد يتعامل مع من سبقوه من أسلاف بمشاعر ليس من بينها الخوف أو الريبة أو الرهبة حين تتم مواراتهم تحت الثرى بانتظار العالم الآخر.

كما أن الفيلم يعتبر فيلماً غنائياً من الدرجة الأولى، ولا ريب أن حلم الطفل الصغير المتعلق بموهبته الفنية له دور فعال باعتماد المحتوى الغنائي المسيطر ضمن الفيلم والذي وصلت فيه المقاطع الموسيقية لـ38 مقطعاً، وبإمكانك أن تتابع الموسيقا الرسمية لأحد أغاني الفيلم بعنوان "تذكرني" "Remember Me" بالإنكليزية والإسبانية،  من هذا الرابط (اضغط هنا)

ختاماً

في عالم معقد سياسياً واجتماعياً، ينتج جغرافيا بشرية تتعلق مخرجاتها بالزمان والمكان، من هذا الباب بالتحديد، لا يمكن استبعاد كون الفيلم رداً قيمياً مبهجاً، يعلق بالأذهان من قبل صاحب الفكرة للفيلم السيد Lee Unkrich  صاحب الأصول المكسيكية، على شكل رسالة سينما اجتماعية تذكّر المجتمع الأميركي بشريحة واسعة من الناطقين باللغة الإسبانية على أراضيه، بعد نهوض الجناح اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية على إثر فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة وسيطرة خطاب تياره الكاره للمهاجرين القادمين من الحدود القريبة من الولايات المتحدة الأميركية، هذه الشريحة الكبيرة تشكل تياراً وازناً ضمن الحياة الاقتصادية في الولايات المتحدة الأميركية في تحمل أعباء المهن الحرفية التي لا تكترث كثيراً الفئات الأعلى دخلاً والأعلى تعليماً بتداولها وتعلمها. لعلّ هذه الرسالة تم ايصالها عبر الفيلم بتبنيه اللكنة الإسبانية لمتحدثي اللغة الإنكليزية كلغة ثانية وبهذا المنطق من الممكن أن نقول إن السينما نجحت في كونها تحمل التسلية والرسالة الحضارية على حد سواء، تلك الرسالة التي تتسرب للاوعي كل منا بدون أن تنال أيديولوجياته المسبقة من الفكرة التي تسيطر على الساحة السياسية اليوم في الولايات المتحدة وكذا لمن هم في مثل حالتها من الآخرين. 

بإمكانك أن تشاهد المقطع الدعائي الرسمي للفيلم (اضغط هنا for trailer)

قام بإخراج الفيلم كل من Lee Unkrich وشاركه بالإخراج Adrian Molina.

تشارك في كتابة النصوص كل من Lee Unkrich و Jason Katz و Matthew Aldrich و Adrian Molina.

وكان العمل من إنتاج تشاركي بين Walt Disney Pictures وPixar Animation Studios 


TAG:

الاسد: ما ينقصنا في المجتمع السوري هو تفعيل الحوار بين مختلف الشرائح وعلى كل المستويات

قال الرئيس بشار الاسد إن أهم ما ينقصنا في المجتمع السوري، ومجتمعاتنا العربية عموما، هو تفعيل الحوار بين مختلف الشرائح وعلى كل المستويات.. الحوار البناء الهادف لإيجاد الحلول وتطبيقها، وليس الحوار من أجل الحوار فقط".