سورية بين "فانتازيا" السلطة وواقع الانهيار: قراءة في فجوة الانفصال عن الواقع
من مشاركة السيد محمد من حلب يعيش في النمسا في برنامج دقائق مع نضال معلوف 2 ( صوت سوريا ).
سورية في زمن الاغتراب المزدوج
تعيش سورية اليوم حالة حادة من "الاغتراب المزدوج"، حيث تتبدى فجوة وجودية ومفزعة بين الخطاب الرسمي الذي تروج له السلطة وبين الحقائق القاسية التي يتجرعها المواطن في تفاصيل عيشه اليومي.
إن المشهد الراهن، في تعقيده واختلاله، بات يحاكي مناخات الحروب الأهلية الأكثر قتامة، حيث يشعر السوري بأنه غريب في وطنه، يعاين ذهولاً شعبياً ناتجاً عن تناقض صارخ؛ فبينما ينشغل المسؤولون برحلات خارجية مكوكية وسفر مستمر، تغرق شوارع الداخل في العتمة والإهمال.
هذا "الانفصال الذهاني" عن الواقع لم يعد مجرد خلل في إدارة الأزمات، بل تحول إلى بنية سياسية تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي، لتبدو البلاد وكأنها ساحة لمسرحية عبثية، بطلها مواطن يواجه الانهيار الشامل بذاكرة منهكة، وسلطة تسوق أرقاماً اقتصادية وهمية تنتمي لعالم "الفانتازيا".
الوهم الاقتصادي: لغة الأرقام في مواجهة (ربطة الخبز)
تعتمد الماكينة الإعلامية للسلطة على "بروباغاندا الأرقام" كأداة ممنهجة للتضليل، حيث تُطرح ادعاءات بنمو الناتج القومي بنسبة تصل إلى 300% في وقت يتلاشى فيه الحد الأدنى لمتطلبات البقاء.
إن هذا النهج ليس مجرد تجميل للواقع، بل هو ممارسة صريحة لسياسة "الاستحمار" ، تهدف إلى إهانة ذكاء المواطن وإجباره على العيش في كذبة مؤسسية بينما تغلي الصدور خلف جدران الصمت.
جدول: فجوة "الاستحمار" بين الادعاءات السلطوية والواقع الأرضي
وجه المقارنة
الادعاءات الرسمية (الفانتازيا)
الواقع الأرضي (الحقيقة المريرة)
مستوى الدخل
حديث عن رواتب موظفين تصل إلى 1000 دولار
الرواتب الحقيقية تتراوح بين 100 و200 دولار
النمو الاقتصادي
ادعاء نمو الناتج القومي بنسبة 300%
انهيار كامل للقوة الشرائية وغلاء غير مسبوق
الأمن الغذائي
توفر السلع الأساسية بأسعار مدعومة
ربطة الخبز تصل إلى 4000 ليرة سورية
البنية التحتية
وعود بـ "سنغافورة" الشرق وإعادة الإعمار
حفر طرقات بعمق "300 متر" (مجازاً) وشوارع غارقة
الخدمات الأساسية
تأمين احتياجات المواطنين الخدمية
صهريج المياه بـ 300 ألف ليرة؛ والمطر هو الحل الإلهي الوحيد
هذا التفاوت الصادم يخلق حالة من الغليان المكتوم، فالمواطن الذي يرى السلطة تتحدث عن "آلاف الدولارات" يجد نفسه عاجزاً عن تأمين ثمن ربطة خبز، مما يغذي نزعات التطرف الفكري نتيجة اليأس المطلق وفقدان الثقة بـ "الدولة".
التآكل الاجتماعي: من التنوع الدمشقي إلى صدمة التطرف
شهدت البنية الاجتماعية السورية تحولات ديموغرافية وفكرية عميقة أدت إلى انحسار روح التعايش التاريخي في مراكز الثقل الحضاري مثل دمشق وحمص وحلب.
إن الفراغ الذي تركه غياب المؤسسات الديمقراطية والأحزاب الحقيقية لم يُملأ إلا بالتطرف أو الولاء الأعمى، مما أدى إلى تآكل "المنطقة الوسطى" واختفاء التيار المعتدل.
مفهوم "سني كيوت" والفرز الطائفي: برزت تصنيفات إقصائية جديدة تعيد فرز المجتمع على أسس عقائدية ضيقة، حيث يُتهم المعتدلون بـ "التمييع" أو الخروج عن النسق المتشدد السائد.
أزمة القراءة والوعي الزائف
تجلى التراجع الفكري في "العروض الإعلامية" لتوزيع كتب ابن تيمية؛ حيث يصطف الناس للحصول على الكتب مجاناً دون نية حقيقية للقراءة أو الفهم، مما يعكس موتاً للطبقة المثقفة لصالح "القشور" التي تغذي التطرف.
تآكل التماسك الداخلي (نموذج حرستا)
لم يعد التطرف موجهاً نحو "الآخر" الطائفي فحسب، بل وصل إلى حد "تآكل المكون الواحد"؛ حيث يتم تكفير الشيوخ المعتدلين في مناطق مثل "حرستا" ووصفهم بالمرتدين، مما يعني انهيار السلم الأهلي حتى داخل النسيج المجتمعي الصغير.
إعادة الإعمار أم "إعادة الاستملاك"؟: مأساة جوبر نموذجاً
تتحول مشاريع "إعادة الإعمار" في المنظور السلطوي من عملية وطنية إلى آلية لـ "الاستيلاء الممنهج" على حقوق الملكية. وتعتبر منطقة "جوبر" ومحيط "نادي ميسون" تجسيداً لهذه المأساة، حيث يتم تطبيق سياسة "النهب المزدوج":
تُجبر السلطة السكان على التخلي عن 50% من أسهمهم العقارية (أملاكهم) لصالح شركات متنفذة، ثم تفرض عليهم دفع تكاليف إعمار الـ 50% المتبقية على نفقتهم الخاصة وبشروط "عظم"، ليجد المالك نفسه يشتري بيته مرتين.
و تبرز أسماء مثل "محمد حمشو" كفاعلين أساسيين في عمليات "نهب الأنقاض"؛ حيث تم تفكيك الأبنية وسحب الحديد والأساسات (السكراب) من جوبر قبل البدء بأي مشروع، في عملية تجريف ممنهجة للملكيات.
من ناحية اخرى يواجه السكان رفضاً قاطعاً لمنح تراخيص البناء الفردية، وهو تكتيك يهدف إلى محاصرة الملاك وإجبارهم على الانصياع لمشاريع الاستملاك الكبرى التي تقودها الشخصيات المرتبطة بالسلطة.
هذه السياسات تجعل من الحديث عن "عودة اللاجئين" مجرد لغو سياسي؛ فكيف يعود المواطن إلى بيتٍ تمت سرقة حديده، ثم صودر نصفه، ويُطالب بدفع ثمن بناء نصفه الآخر؟
سلطة "الترهيب" في التفاصيل الصغيرة: قوانين منتصف الليل
في ظل عجز الدولة عن تصريف مياه الأمطار التي أغرقت العاصمة، أو تأمين المياه التي وصل سعر صهريجها إلى 300 ألف ليرة سورية (مما جعل المطر "رحمة إلهية" لملء الخزانات هرباً من التكاليف)، تنشغل السلطة بفرض قوانين سلوكية تافهة لإثبات الوجود الأمني.
قرارات إغلاق المحال عند الساعة 12 ليلاً مثلا ليست تنظيماً، بل هي تضييق على الحريات الشخصية وملاحقة للساهرين، في محاولة لفرض "الانضباط القسري" بينما تنهار الخدمات الأساسية.
الهروب نحو "الأخلاق الشكلية"
تركز السلطة على حملات "طريق الجنة" والحجاب، ومنع الكحول في مناطق معينة، للتغطية على عجزها عن ردم حفر الطرقات التي يصفها المواطنون بسخرية مريرة بأن عمقها يصل إلى "300 متر".
تغول الأمن وانهيار القانون (نموذج عين ترما)
تحول الشرطي من حامٍ للمواطن إلى "خصم" مباشر؛ وما جرى في "عين ترما" من صدامات عنيفة بين السكان وعناصر الشرطة يعكس وصول الاحتقان الشعبي إلى ذروته، حيث يسود "التشبيح" داخل الأقسام وتغيب المحاسبة، مما يجعل المواطن يرى في الجهاز الأمني عدواً لا حامياً.
سورية على أعتاب "يوم القيامة" الاجتماعي
تعيش السلطة السورية حالة مكابرة ميؤوس منها، متجاهلة حقيقة أن "القانون" قد تلاشى لصالح الغابة، وأن الاحترام المتبادل بين الدولة والمواطن قد انعدم. إن العبارة المتداولة في الشارع اليوم "اشترِ لليوم القيامة" ليست مجرد تشاؤم، بل هي قناعة شعبية بأن الانفجار القادم سيكون شاملاً ومفاجئاً نتيجة الضغط الذي لا يطاق.
إن استعادة منطق الدولة تتطلب التوقف عن "تأليه الأشخاص" والعودة إلى منطق المؤسسات والخدمة العامة. سورية اليوم ليست بحاجة إلى "فانتازيا" النمو الوهمي ولا إلى قوانين إغلاق المقاهي، بل هي بحاجة لرد الحقوق في "جوبر"، ومحاسبة ناهبي "السكراب"، وتأمين رغيف الخبز والكرامة، قبل أن يطبق "يوم القيامة" الاجتماعي الذي يخشاه الجميع.