رجل مهم ... بقلم : شريف رفعت

علمتني الحياة أن أحاول دائما الاستمتاع باللحظة، بما يمر بي حتى لو بدا للبعض أنه عادي ليس به ما يستحق الملاحظة فضلا عن الاستمتاع، كان هذا هو شعوري فور دخولي الطائرة، فتجربة السفر في الجو و التي نادرا ما أفعلها تستأهل الاستمتاع بها...

 

 سألتني المضيفة الحسناء المبتسمة دائما عن بطاقتي و أرشدتني لمقعدي بجوار النافذة، وضعت حقيبتي في الخزانة العلوية المخصصة للمتاع و جلست أتأمل ما حولي، الطائرة شبه ممتلئة، المقعد بجواري ما زال شاغرا، تمنيت أن تجلس به حسناء متحررة مرحة تحب الحديث مع جارها في السفر و الذي هو أنا.

 

لحظات و رأيته، طويل وسيم يرتدي بذلة أنيقة و نظارة طبية ذهبية تضفي مهابة على ملامحه، شعره أشقر يتخلله بعض الشيب و ينسدل على جبهته، يبدو في أوائل الخمسينات، هو باختصار كل شيء ليس أنا، طوله شعره أناقته، جو الأهمية الذي يحيط به نفسه و الذي يتجسد في حركاته و إيماءاته، و الحقيبة الجلدية الثمينة المنتفخة التي يحملها، توجه إلى المقعد المجاور لي، رسمت على شَفـَتيّ ابتسامة صغيرة مرحبة لتحيته، لكنه لم يكلف نفسه عناء الالتفات لي، وضع حقيبته أسفل مقعده، أخذ نفسا عميقا ثم أغمض عينيه للحظات، بينما انزويت أنا في ركن مقعدي مع آمالي المحطمة بخصوص جارة حسناء.
 


من مكبر الصوت جاءت التوجيهات المعتادة قبل إقلاع الطائرة، فتح جاري عينيه، انحنى على حقيبته و أخرج منها مجموعة ملفات ثم أخرج من جيب سترته قلم حبر ثمين من النوع الذي توقفت الناس العادية عن استخدامه منذ سنوات و أخذ يراجع الملفات التي معه، و يكتب بعض الملاحظات عليها من وقت لآخر. بالتأكيد الرجل إما مدير مهم في أحد المؤسسات الكبرى يراجع تقارير مؤسسته أو رئيس قسم في أحد الجامعات يصحح رسائل جامعية يشرف عليها. عـُتـِّمـَت أضواء الطائرة و بدأت في التحرك للإقلاع، أضاء جاري المصباح العلوي فوق رأسه و استمر في مراجعة أوراقه باهتمام، بينما أغمضت أنا عينيّ و قررت النوم.
 

 


العتمة و الهدوء يسودان الطائرة، و فجأة من تحت جفنيّ النصف مـُغـْمـَضين رأيت وجه طفلة صغيرة يظهر من فوق مسند المقعد الذي أمام مقعدنا، وجه صغير جميل بريء يضيء عتمة الطائرة، تبدو في الثانية من عمرها، عيناها كبيرتان جميلتان متسائلتان. ابتسم لها جاري ابتسامة حانية، نظر تجاهي نظرة جانبية دون أن يلتفت بوجهه، عندما اعتقد أني نائم لوح للصغيرة بيده فابتسمت، أخذ الرجل يرسم تعابير مضحكة على وجهه مستخدما عينيه و شفتيه و أحيانا لسانه، الصغيرة نظرت إليه أولا باستغراب ثم انفجرت ضاحكة، من جوارها جاء صوت أمها نصف نائم "اهدئي حبيبتي، لا تزعجي الركاب، الأحسن أن تنامي"

 

 بالطبع البنت لم تلتفت لكلام الأم و استمرت في الضحك و النظر بشغف لجاري المهم، مد جاري يده إلى مسند مقعدها و حرك أصبعيه السبابة و الوسطى على قمة المسند كما لو كانا ساقين صغيرين يسيران أمامها، ضحكت البنت بصوت أعلى و قد أعجبتها اللعبة، أمسك جاري بأحد الملفات التي كان يراجعها و أخفى به وجهه للحظات حتى ظهر التساؤل على وجه الصغيرة ثم فجأة أزاح الملف ليظهر وجهه و عليه تعبيرٌ مضحكٌ فقهقهت الصغيرة سعيدة مذهولة، صوت ضحكاتها البريئة المنطلقة كان الصوت الوحيد المسموع في هدوء و صمت الطائرة. و أنا مستمر في ادعاء النوم نظرت بعينيّ النصف مغمضتين لوجه جاري، هناك فرح طفولي بريء على وجهه لا يتناسب مع مظهره الرسمي المرسوم.
 


يستمر جاري في مداعبة الصغيرة و تستمر هي في الضحك بينما أغفو أنا في مقعدي. عندما أستيقظ أجد الصمت يسود المكان و رأس الصغيرة قد اختفى، واضح أنها نائمة في حجر أمها. جاري أيضا كان مستغرقا في النوم، تأملت وجهه و الذي ارتسمت عليه ملامح ضعف إنساني، تحت نظارته الطبية الثمينة كانت هناك دموع تبلل خديه.

 

 

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

07.12.2015 16:40